بقلم: جافي محمد أمين
في سباقنا المحموم نحو النجاح والتأثير، نقع في فخ الاختزال الأكبر: اختزال القيادة في كونها منصباً. نرى في الكرسي العالي غاية، وفي اللقب المرموق دليلاً قاطعاً على النفوذ. لكن الحقيقة الأكثر عمقاً وفلسفية هي أن القيادة ليست أبداً نُصباً تذكارياً يُشيّد على ركام الهرم الوظيفي، بل هي نبع يتفجر من قناعة داخلية تُعرف بـ “المبادرة”. إننا نرتكب خطأً جسيماً حين نختزلها في سطر يُكتب أسفل اسمنا على بطاقة العمل؛ لأن هذا السطر قابل للمحو بقرار إداري، أما أثر المبادرة فهو خالد وراسخ لا تزيله السنون ولا القرارات.
الفارق الجوهري بين قائد المنصب وقائد المبادرة يكمن في مصدر القوة والتأثير؛ فقائد المنصب يستمد قوته من السلطة التي يمنحها إياه الهيكل، فيكتفي بإصدار الأوامر، ودوره ينتهي بانتهاء ولايته. أما قائد المبادرة، فيستمد قوته من التأثير الذي يزرعه في نفوس الآخرين، فيلهمهم لاتخاذ الخطوة الأولى والمشاركة في صناعة الحل، ودوره يمتد حتى بعد غيابه. المنصب يعطيك الحق في توجيه الآخرين، أما المبادرة فتعطيك القدرة على إشعال الدافع فيهم. القائد الحقيقي ليس من ينتظر أن يأتيه الأمر من “الأعلى” ليحل مشكلة ما، بل هو من يرى خللاً فيقرر إصلاحه، أو يرى فراغاً فيملؤه؛ إنه يمارس القيادة كفعل يومي غير مشروط بالراتب أو اللقب.
هذه القيادة القائمة على المبادرة تتجسد في فعل الرؤية قبل الجميع، وفعل التضحية من أجل الجميع، وفعل البداية رغم تردد الجميع. لنتأمل هذا المشهد الرمزي: عندما يسود الظلام، ينتظر الجميع وصول الكهرباء أو أن يأتي المسؤول ليوفر الإضاءة. أما القائد بالمبادرة، فهو الشخص الذي يُشعل شمعته الخاصة أولاً، لا ليرى هو فقط، بل ليصبح مركز ثقل وضوء تهتدي به المجموعة بأكملها. هذا الشخص، بمجرد مبادرته، تحول إلى قيادة حقيقية، بغض النظر عن خانته أو لقبه. إنها تتطلب التنازل عن امتيازات الكرسي؛ هي أن تقف في الصفوف الأمامية متحملاً العبء، لا متمرغاً في المجد، وأن ترعى المواهب وتطلق القدرات، لا أن تحتكر المعلومات والسلطة خوفاً على منصبك.
لتكن صيحتنا مدوية: لا تسعوا إلى الكراسي لتجلسوا ، بل كونوا أنتم الأعمدة التي ترفع السقف وتثبته. إن أردتم أن تُخلد أسماؤكم، فلا تجعلوها تُكتب على لوحات المكاتب، بل ازرعوها في قلوب وعقول من ألهمتهم مبادراتكم وأفعالكم. القيادة هي أن تترك المكان الذي مررت به، أفضل مما كان قبل مرورك. وهذا الإنجاز لا يتطلب توقيعاً ولا منصباً، بل يتطلب روحاً مبادرة، وعزيمة لا تذبل.