بقلم: محمد أمين جافي
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو التكتلات الاقتصادية الكبرى ومشاريع التنمية العابرة للحدود، اختار صانع القرار في الجارة الشرقية مرة أخرى العودة بالزمن إلى الوراء، بسلاح “الاستفزاز الميداني” في منطقة “إيش” الحدودية بإقليم فكيك. لكن المشهد هذه المرة لم يكن مجرد تحرك عابر، بل كان اختباراً جديداً لصرامة الجيش الملكي المغربي الذي أثبت أن “شبر الأرض” ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو كرامة وطنية غير قابلة للقسمة.
الحزم في مواجهة العبث:
لم تكن محاولة عناصر الجيش الجزائري وضع علامات ترسيم حدودية وهمية ونزع سياج المزارعين المغاربة مجرد “خطأ تقني”، بل هي محاولة بائسة لجر المنطقة إلى نفق مظلم من المواجهات المسلحة. غير أن الرد المغربي جاء مزيجاً من الهيبة العسكرية والتعقل السياسي؛ تحركت القوات المسلحة الملكية بصرامة الميدان، ليعود المقتحمون أدراجهم، تاركين وراءهم تساؤلات حول جدوى هذه الحركات الصبيانية في ميزان القوى الإقليمي.
عقيدة البناء مقابل عقيدة الهدم:
تطرح هذه التحرشات علامات استفهام كبرى حول الأولويات؛ فبينما يضع المغرب ثقله في مشاريع تنموية كبرى لتحويل أقاليمه الحدودية إلى أقطاب اقتصادية، يبدو أن الطرف الآخر لا يزال رهين “عقدة الحدود” والهروب من الأزمات الداخلية نحو “عدو وهمي”. إن الالتزام المغربي بروح معاهدة 1972، رغم عدم وفاء الجارة ببنودها (خاصة في ملف غار جبيلات)، يعكس نضج الدولة المغربية التي ترفض منطق الرصاص وتغلب لغة العقل والدم والأخوة.
الاستقرار خيار استراتيجي:
إن اجتماع السلطات الأمنية والعسكرية بفكيك عقب الحادث يبعث برسالة واضحة: المغرب لن ينجر إلى حرب يخطط لها غيره، لكنه في الوقت ذاته لن يسمح بتغيير الواقع على الأرض. إن سياسة “ضبط النفس” التي ينهجها المغرب ليست ضعفاً، بل هي قوة الواثق من حقه، والملتزم باستقرار المنطقة التي لا تحتمل مغامرات غير محسوبة العواقب.
تبقى “إيش” شامخة، وتبقى مزارع فكيك شاهدة على تشبث الشعب المغربي بأرضه، في انتظار أن تدرك العقول في الجانب الآخر أن المستقبل يُبنى بالتنمية والتعاون، لا بالأحجار والأكياس البلاستيكية على خطوط التماس.