بقلم: محمد أمين جافي
في لحظات تضع الإنسان وجهاً لوجه أمام جبروت الطبيعة، لا يتبقى للمرء سوى الإيمان والامتثال لنداء العقل. هذا هو حال “محمد عرة”، السبعيني الذي غادر دواره “أولاد شكور” بإقليم القنيطرة، لا هرباً من الأرض، بل تمسكاً بالحياة. اليوم، يجد نفسه رفقة أحفاده وسط مخيم ميداني بجماعة “أولاد سلامة”، في مشهد يختزل المجهود الوطني الجبار لحماية الأرواح من فيضانات الغرب الغادرة.
ملاذ آمن في قلب الأزمة
لم تكن عملية النقل مجرد إجراء إداري، بل كانت سباقاً مع الزمن. فقد سارعت السلطات الإقليمية والمحلية، مدعومة بوحدات القوات المسلحة الملكية، لتحويل مساحات خلاء إلى “مستقرات للحياة”. المخيم الذي يضم أكثر من 1500 مواطن، تحول إلى خلية نحل؛ هنا خيام زرقاء مرقمة بدقة، وهناك آليات ثقيلة للجيش تضمن الإمداد الغذائي واللوجستي، في انضباط تام يعكس احترافية التعامل مع الكوارث الطبيعية.
شهادات من واقع “الرحيل المؤقت”
”أتت بنا السلطة خوفاً علينا، وتكفلت بكل شيء من الأفرشة إلى المأكل”، يقول محمد عرة بنبرة يملؤها الرضا. وتشاطره “مريم” الرأي، معتبرة أن هذا النزوح الاضطراري هو “الخيار الأفضل” لحماية الأطفال والنساء من سيناريوهات غير محسوبة العواقب. ورغم مرارة فراق الديار، دبت الحياة سريعاً في أرجاء المخيم، حيث يبتكر الأطفال ألعاباً تخفف عنهم وطأة الاغتراب المؤقت، في انتظار العودة إلى مقاعد الدراسة.
أرقام تعكس حجم التحدي
تأتي هذه التحركات في سياق وطني دقيق، حيث تشير الإحصائيات إلى استهداف حماية أكثر من 108 ألف مواطن على الصعيد الوطني، نال إقليم القنيطرة نصيباً كبيراً منها بترحيل ما يفوق 14 ألف شخص. فمع ارتفاع منسوب وديان “سبو” و”بهت”، لم يعد هناك مجال للمغامرة، خاصة بعد أن غمرت المياه آلاف الهكتارات من الحقول في جماعة “المكرن”.
تعبئة تحصن الأرواح
إن ما يحدث اليوم في سهول الغرب، من إقامة مخيمات إضافية في “سوق الأحد أولاد جلول” و”سيدي علال التازي”، هو ملحمة تضامنية تجمع بين صرامة التدخل العسكري ومرونة العمل المدني. هي رسالة واضحة بأن “حياة الإنسان فوق كل اعتبار”، وأن الخيمة التي قد تبدو بسيطة في مظهرها، هي اليوم الحصن المنيع الذي يفصل بين خطر الغرق ونجاة الأمة