بقلم عمر خلدان
هناك “نيران صديقة” تشتعل تحت الرماد في أروقة التحالف العربي. لم يعد الخلاف بين الرياض وأبو ظبي في اليمن مجرد “تباين في وجهات النظر”، بل تحول إلى صراع إرادات فوق جغرافيا الموانئ والممرات الدولية، ليعيد طرح السؤال الوجودي: هل الخلاف على “من يحكم اليمن” أم على “ماهية اليمن” القادم؟
المكلا.. حين تلامس السفن “الأعصاب الحساسة”
لم تكن الضربة الجوية السعودية في ميناء المكلا مجرد إجراء عسكري ضد شحنة أسلحة مجهولة التصاريح؛ بل كانت “رسالة مشفرة” بالبارود. فالمكلا هي رئة حضرموت، وحضرموت بالنسبة للرياض ليست مجرد محافظة يمنية، بل هي “حزام الأمان” وعمقها الاستراتيجي الملاصق. تجاوز التنسيق في هذه المنطقة يعني بالنسبة للسعودية اختراقاً لخطوطها الحمراء، وردُّها العنيف يشير إلى أن المملكة لن تسمح بتحول الجنوب اليمني إلى “إقطاعيات عسكرية” تدار من خارج غرف عملياتها.
إمبراطورية الموانئ مقابل استقرار المركز
تتحرك الإمارات وفق رؤية “الإمبراطورية البحرية”؛ فهي لا تبحث عن مساحات جغرافية شاسعة، بل عن “نقاط ارتكاز” (Points of Presence). من سقطرى إلى باب المندب، وصولاً إلى الفجيرة والقرن الأفريقي، تسعى أبو ظبي لرسم خريطة نفوذ بحرية تضمن لها الريادة في تجارة الطاقة العالمية.
في المقابل، ترى السعودية أن هذا “التمدد الفيدرالي” الذي يدعمه المجلس الانتقالي الجنوبي، قد يؤدي إلى “صوملة” اليمن (تحويله إلى دويلات متناحرة)، مما يعني استنزافاً دائماً لحدودها الجنوبية.
تصدع “الشرعية”: حكومة برؤوس متعددة
ما حدث في مجلس القيادة الرئاسي من انقسام حاد بعد قرارات رشاد العليمي، يعكس أزمة “العقد الاجتماعي” في اليمن. نحن أمام ثلاثة مشاريع تتصادم:
مشروع الدولة الاتحادية: الذي تحاول السعودية ترميمه عبر الشرعية.
مشروع الانفصال/الحكم الذاتي: الذي يقوده الانتقالي بدعم إماراتي.
مشروع “الولاية” الحوثي: الذي ينتظر في الزاوية، منهكاً ولكنه يترقب تصدع خصومه.
الانسحاب الإماراتي.. مناورة أم طلاق؟
قرار الإمارات بسحب قواتها طوعاً هو “تكتيك احتواء” لتجنب صدام مباشر مع الشقيقة الكبرى (السعودية). لكن هذا الانسحاب لا يعني الغياب؛ فالأدوات المحلية (المجلس الانتقالي وقوات العمالقة) تغلغلت في مفاصل الجنوب، وأصبح لها “فيتو” على أي قرار يتخذه العليمي، وهو ما ظهر جلياً في رفض أعضاء المجلس لقرار طرد القوات الإماراتية.
اليمن اليوم هو المختبر الذي يُفحص فيه شكل “الشرق الأوسط الجديد”: هل سيكون منطقة دول مركزية قوية، أم شبكة من الموانئ والنفوذ الموزع بين الكبار؟