مواطن نيوز
تعيش مدينة شيشاوة منذ سنوات على وقع إشكالية عقارية معقدة، تُعد من أبرز مظاهر التفاوتات المجالية التي تُعمّق الإقصاء الاجتماعي وتفرمل أي دينامية تنموية حقيقية. فعدد كبير من الأسر يقيم في أحياء شُيّدت منذ عقود فوق أراضي الجموع أو الملك الخاص للدولة، من دون أن يحظى سكانها بالاعتراف القانوني بملكيتهم، ليُدرجوا في خانة “المحتلين بدون سند”، رغم أن وجودهم هناك كان بدافع الحاجة للسكن، ومساهمة جماعية في تعمير المدينة وتوسيع عمرانها.
هذه الوضعية لم تعد مسألة إدارية أو قانونية فحسب، بل أضحت مرآة تعكس حجم التهميش البنيوي الذي يطاول فئات واسعة من الساكنة، مولدةً شعورًا دائمًا بعدم الاستقرار، وانعدام الأمان الاجتماعي والاقتصادي. وفي غياب حق التملك، يجد المواطن نفسه أمام عراقيل متكررة: من تعقيد المساطر عند طلب الإصلاحات، إلى صعوبة الحصول على الوثائق الإدارية، مرورًا بفتح الباب أمام وساطات غير رسمية تكرّس الزبونية والريع، وتضعف هيبة القانون وثقة المواطنين في المؤسسات.
وتتضاعف خطورة الأمر خلال المواسم الانتخابية، حيث يتحول حرمان المواطنين من سندات الملكية إلى أداة للمساومة السياسية، تُمنح مقابل الولاء أو الصمت عن المطالبة بالحقوق الأساسية في السكن والكرامة. إنها مظاهر واضحة للإقصاء متعدد الأبعاد، حيث تتشابك العوامل القانونية والمجالية والسياسية، لتنتج وضعًا من الهشاشة العامة.
كما أن تجميد الوضعية العقارية ينعكس مباشرة على الاقتصاد المحلي؛ فالعقار غير المملّك يظل خارج الدورة المالية، ولا يمكن رهنه أو استثماره أو جعله ضمانة لمشاريع اقتصادية. النتيجة: ركود في قطاع البناء، جمود في سوق العقار، تراجع فرص العمل، واستمرار حلقات الفقر والهشاشة. فكيف يمكن لشباب شيشاوة أن يبتكر أو يستثمر، في ظل غياب الأمن العقاري وصعوبة الولوج؟ إلى التمويل والتراخيص
هذا الواقع يتناقض مع مبدأ العدالة المجالية الذي نص عليه دستور المملكة، ومع التوجيهات الملكية السامية التي شدد عليها جلالة الملك محمد السادس في خطاب عيد العرش لسنة 2025، حين أكد أن الغاية الكبرى هي تحسين ظروف عيش المواطنين، وتقليص الفوارق، وترسيخ الكرامة عبر تمكينهم من مقومات العيش الكريم.
من هنا، يصبح حل هذا الملف وإدماجه في السياسات العمومية الترابية أمرًا لا يحتمل التأجيل، فتمليك الساكنة للأراضي التي شيدوا فوقها منازلهم ليس منّة ولا امتيازًا، بل هو حق أصيل واستحقاق وطني، وخطوة أولى نحو تحرير الطاقات، وتثبيت الاستقرار، وبناء الثقة بين المواطن والدولة.
إن التمليك في شيشاوة ليس مجرد إجراء إداري لتسوية عقود الملكية، بل فعل إنصاف وعدالة، وأساس لكل مشروع تنموي جاد، وشرط لإرساء مجتمع متماسك، يوزع خيراته بعدل بين جميع أبنائه.
بقلم حسن بنسعود:رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان بشيشاوة