مواطن نيوز //
سادت أجواء التوتر شوارع بلدة توري باتشيكو الإسبانية الهادئة بعد أن حوَّل تنظيمٌ يميني متطرف اعتداءً منعزلًا على رجل مسن إلى شرارة لإشعال الفتنة وسط مجتمعٍ عُرف لسنوات بتناغمه، فتحوَّلت البلدة التي يقطنها 40 ألف نسمة (نحو 30% منهم أجانب، أغلبهم مغاربة) إلى ساحة مواجهات عنيفة استدعت تدخلًا عاجلًا لقوات الحرس المدني التي اعتقلت ثمانية أشخاص على خلفية أعمال الشغب، خمسة منهم إسبان، فيما يشتبه في تورط اثنين بالاعتداء الأصلي على المسن البالغ 68 عامًا.
لم تكن التصريحات الرسمية محايدة، فوزير الداخلية فرناندو غراندي-مارلاسكا وجه اتهامًا مباشرًا لحزب “فوكس” اليميني المتشدد، قائلًا: «ثمة مجموعات منظمة تعمل خلف هذه الاشتباكات، تتبنى خطابًا يجرِّم المهاجرين بدلًا من تعزيز التعايش والازدهار»، مؤكدًا أن بيانات وزاره تدحض رواية ارتباط العنف بالهجرة، وتكشف بدلًا عن ذلك تلاعبًا منظَّمًا من قبل الحزب ووسائله لزرع الفرقة عبر خطاب كراهية مدروس.
أما بيدرو أنخل رويكا، عمدة البلدة، فكشف عن صدمة المجتمع المحلي: «وفدت عناصر غريبة إلى بلدتنا لتعكر صفو تعايشنا»، في إشارة واضحة إلى جماعات متطرفة مثل “فويرا يا” و”ديسوكوبا” التي حوَّلت فيديو الاعتداء المفرد إلى وقود لحملة تحريض عبر وسائل التواصل دعت صراحة إلى «طرد المهاجرين»، ما أشعل مواجهات عنيفة وأعمال تخريبية رغم انتشار قوات الأمن الكثيف.
في مواجهة هذه العاصفة، تبرز حقيقة مجتمعية راسخة: الجالية المغربية هنا ليست وافدًا جديدًا، بل هي جزء أصيل من نسيج البلدة منذ عشرين عامًا، يعمل أفرادها في الزراعة ويساهمون بفاعلية في الحياة اليومية، وهو ما أكده العمدة قائلًا: «عائلاتهم مستقرة منذ عقود، يعملون بجد في الحقول ويساهمون في بناء مجتمعنا».
تصاعد العنف دفع “الجمعية المغربية لاندماج المهاجرين” إلى إصدار بيان حازم تدين فيه موجة العنصرية، وتطالب بحماية القانون للمستهدفين: «التهديدات والاعتداءات يجب أن تتوقف، ونطالب بتطبيق صارم للقانون على كل من يحرض على الكراهية»، معلنةً في الوقت ذاته توفير فريق قانوني مجاني للدفاع عن ضحايا هذه الهجمات.
اليوم، وبعد أن هدأت العاصفة بفضل يقظة الأمن ورفض الأهالي للفتنة، تبقى توري باتشيكو نموذجًا هشًّا أمام اختبار خطير: هل تكفي سنوات التعايش لصد سموم الكراهية المستوردة؟ الجواب يكمُن في صمود ذلك النسيج المجتمعي الذي رفض – مرة أخرى – أن يُختزَل إلى رقعة في لعبة السياسيين المتطرفين.