المغرب وموريتانيا, شراكة إستراتيجية في مواجهة التحولات الإقليمية

Table of Content

مواطن نيوز//


في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة تشهدها منطقة شمال إفريقيا والساحل، تأتي العلاقات المغربية الموريتانية كأنموذج لتعاون ثنائي يتجاوز الحدود التقليدية للسياسة، ليرتكز على إرث تاريخي عميق وحسّ استراتيجي مشترك. فالتفاعلات الأخيرة بين البلدين، بدءاً من المنتدى البرلماني الاقتصادي الذي احتضنته نواكشوط في مايو 2024، وصولاً إلى الزيارة الرسمية للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الرباط أواخر 2024، تؤكد أن التعاون بينهما تحوّل إلى ركيزة لبناء شراكات إقليمية طموحة، تقاوم منطق الصراعات وتستثمر في فرص الاستقرار والتنمية.

لم يعد اللقاء البرلماني المغربي الموريتاني مجرد مناسبة بروتوكولية، بل تحول إلى منصة لبلورة رؤية اقتصادية مشتركة، تجسدت في حضور ممثلي الأغلبية والمعارضة المغربية برئاسة راشيد الطالبي العلمي، إلى جانب أعضاء حكوميين. وقد ناقش المشاركون قضايا حيوية كالأمن الغذائي والزراعة والصيد البحري، إلى جانب مناخ الأعمال والتكوين المهني، في خطوة تهدف إلى تحويل الخطاب السياسي إلى مشاريع ملموسة.

لا يمكن فصل هذه الدينامية عن السياق الأوسع الذي تشهده العلاقات الثنائية، والذي اكتسب زخماً جديداً بعد اللقاء التاريخي بين العاهل المغربي الملك محمد السادس والرئيس الموريتاني في ديسمبر 2024. فقد تجاوزت دلالات هذا اللقاء الإطار الدبلوماسي لتؤكد على تماسك النسيج الاجتماعي والثقافي بين الشعبين، الذي يشكل أساساً متيناً لتعاون استراتيجي. وتبرز هنا مشاريع عملاقة مثل أنبوب الغاز النيجيري-المغربي العابر لموريتانيا، الذي لا يقتصر دوره على تعزيز الأمن الطاقي للمنطقة، بل يرسخ أيضاً موقع المغرب وموريتانيا كحلقة وصل بين جنوب القارة الإفريقية وشمالها، بدعم دولي واضح، لاسيما من الإمارات العربية المتحدة التي أعلنت التزامها بتمويل المشروع.

وفي سياق موازٍ، تبرز مبادرة ربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي عبر ميناء الداخلة كإحدى الركائز التي تعيد تشكيل الخريطة اللوجستية الإقليمية. هذا المشروع، الذي يحمل بصمة ملكية مغربية، يقدم حلاً ثورياً لدول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، التي تعاني من تبعات الاعتماد على ممرات تقليدية تهيمن عليها النزاعات، كما هو الحال في المنافذ الشمالية والشرقية التي تسيطر عليها الجزائر. ولا يخفى هنا التناقض الصارخ بين النهج الجزائري، الذي يكرس سياسة العداء لكل أشكال التعاون المغربي الإفريقي، وبين الرؤية التنموية التي تتبناها الرباط ونواكشوط، والتي تجسدها أيضاً مشاريع مثل تطوير معبر الكركرات لتعزيز التبادل التجاري مع إفريقيا الغربية.

في مواجهة هذه التحولات، تظهر الجزائر كطرف يحاول تعطيل أي تقارب إقليمي لا يتماشى مع أجندتها، مستخدمةً أدوات إعلامية ودبلوماسية لتشويه التعاون المغربي الموريتاني، بل وحتى تقديم وعود اقتصادية وهمية لخلق تحالفات مضادة. لكن واقع المنطقة اليوم لم يعد يقبل بالمنطق الأيديولوجي القديم، خاصة مع تصاعد الاعتراف الدولي بمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء، وتهاوي المشاريع التي روجت لها الجزائر، كأنبوب الغاز النيجيري-الجزائري، الذي انسحبت منه النيجر مؤخراً.

ما يعكسه التعاون المغربي الموريتاني هو تحول جذري في فلسفة بناء التحالفات الإقليمية: فبدلاً من الاصطفافات القائمة على العداءات التاريخية، ينتصر منطق التكامل الاقتصادي والاستجابة لحاجات الشعوب. إنها شراكة تثبت أن الجغرافيا والتاريخ يمكن أن يكونا أدوات لصنع مستقبل مشترك، في منطقة تئن تحت وطأة التحديات الأمنية والمنافسات الجيوسياسية. هنا، تختار الرباط ونواكشوط أن تكونا في جانب البناء، لا الهدم، مستفيدتين من درس التاريخ: أن التعاون جنوب-جنوب ليس خياراً فحسب، بل ضرورة حتمية في عالم يتشكل من جديد.


مواطن نيوز

http://localhost/mnwp

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الأخيرة

الأخبار الرائجة

NE

News Elementor

Lorem Ipsum is simply dummy text of the printing and typesetting industry.

Popular Categories

Must Read

©2024- All Right Reserved. Designed and Developed by  Blaze Themes