بقلم :محمد أمين جافي.
بين أزقة حي السلام العريقة وهدوء مدينة القصر الكبير الذي بدأ يستعيد أنفاسه، لم تكن عودة الأهالي إلى ديارهم مجرد عبور جفّت معه مياه الأمطار، بل كانت لحظة تجسدت فيها أسمى معاني التآزر المغربي الأصيل. فمع غروب شمس يوم الأحد، انطلقت سمفونية العمل الميداني التي قادتها السلطات المحلية، معلنةً عن تدشين عملية واسعة لتوزيع المساعدات الغذائية الأساسية، في خطوة استباقية تعكس حرص الدولة على صون كرامة المواطن وضمان استقراره في أحلك الظروف.
لم يكن المشهد مجرد توزيع لحصص من الدقيق والزيت والسكر، بل كان ترجمة فعلية لخطة استراتيجية محكمة وضعتها عمالة إقليم العرائش. هذه الخطة التي لم تترك شاردة ولا واردة إلا وأحصتها، بدءاً من تأمين وسائط النقل والمحاور الآمنة، وصولاً إلى تدقيق منظومة الإشراف الميداني التي كفلت انسيابية مبهرة في الأداء.
وفي مراكز تجميع المساعدات، كانت الأيادي تتسابق في سباق مع الزمن، حيث تكاتفت جهود أعوان السلطة والمتطوعين لتهيئة الأكياس بعناية فائقة، قبل أن تشق الشاحنات الضخمة والدراجات ثلاثية العجلات طريقها نحو الأحياء المستهدفة، متحديةً ضيق الأزقة لتصل الأمانة إلى أبواب البيوت.
هذا التدخل الإنساني الذي نقلت مشاهده يحمل في طياته رسائل عميقة تتجاوز الدعم المادي. فهو يعكس العناية الملكية الموصولة التي يوليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس لرعاياه الأوفياء، خاصة في مواجهة التقلبات المناخية الاستثنائية. وقد عبر المواطنون بقلوب ملؤها الامتنان عن تقديرهم لهذا الحس الاستباقي، مؤكدين أن وصول هذه المساعدات في اليوم الأول للعودة كان بمثابة طوق نجاة، سدّ الفراغ الذي تركه إغلاق المحلات التجارية المؤقت، وأعاد الطمأنينة إلى النفوس التي أنهكتها الظرفية الصعبة.
إنها ملحمة تضامنية بامتياز، تبرز قدرة السلطات العمومية على الانتقال السلس من مرحلة الإجلاء والإيواء إلى مرحلة إعادة الإدماج وتأمين سبل العيش الكريم. ومع استمرار توزيع هذه الحصص الغذائية المتكاملة، تواصل مدينة القصر الكبير كتابة فصل جديد من فصول الصمود والوحدة، حيث يذوب التعب أمام وهج التعاون، وتستعيد الحياة إيقاعها الطبيعي تحت مظلة الرعاية الشاملة والتعبئة الوطنية المستمرة