بقلم :محمد أمين جافي
في ملاعبنا المغربية، نادراً ما نشهد ولادة استمرارية مهنية تجمع بين إرث الماضي وتحديات المستقبل بنفس الشغف الذي نلمسه اليوم في مسار ابن الإطار الوطني القدير محمد فاخر. نحن لا نتحدث هنا عن مجرد توريث لمهنة المتاعب، بل عن انتقال ذكي لـ “جينات” التدريب من جيل التخطيط الصارم والصرامة التكتيكية التي عرف بها “الجنرال”، إلى جيل يرى كرة القدم من خلال عدسات التكنولوجيا وخوارزميات التحليل الرقمي.
لقد أتيحت لي فرصة الوقوف عن قرب على منهجية عمل “فاخر الابن”، وما يثير الإعجاب ليس فقط وفاءه للمبادئ الأساسية التي جعلت والده الرقم الأصعب في معادلة الألقاب الوطنية، بل قدرته الفائقة على تطويع الأدوات الحديثة لخدمة الرؤية الفنية. إن الاعتماد على تحليل التحركات الدقيقة للاعبين، واستنطاق نقاط القوة والضعف عبر برمجيات متطورة، يثبت أننا أمام مدرب لا يترك مجالاً للصدفة، تماماً كما كان يفعل والده، ولكن بأسلوب يواكب لغة العصر.
إن هذا التناغم بين الحنكة المتوارثة والابتكار التقني يعيد إلى الأذهان الثنائية الشهيرة في عالم التدريب العالمي، كارلو أنشيلوتي وابنه دافيد. فكما يمثل دافيد “العقل الرقمي” خلف هدوء والده وخبرته في ريال مدريد، يبدو أننا بصدد مشاهدة نسخة مغربية تعيد صياغة مفهوم “العائلة الكروية”. إن عمل فاخر الابن يستحق كل الإشادة، لأنه اختار الطريق الأصعب: الحفاظ على اسم الوالد شامخاً مع إضافة بصمته الخاصة التي تجعل من الفريق الذي يشرف عليه كتاباً مفتوحاً يقرأه بعين تكنولوجية ثاقبة. هي بداية لعهد جديد، يؤكد أن التفوق في كرة القدم لم يعد يقتصر على الصافرة والملعب، بل بات يطبخ في مختبرات البيانات قبل أن يترجم إلى ألقاب.