بقلم: عمر خلدان
في عصرٍ نلهث فيه خلف الإجابات السريعة، تحول محرك البحث “غوغل” من مجرد وسيط للمعرفة إلى ما يشبه “الحكيم الرقمي” الذي يمنحك الترياق بضغطة زر. لكن، وكما يُقال: “الشيطان يكمن في التفاصيل”، يبدو أن هذا الشيطان قد تسلل مؤخراً إلى ملخصات الذكاء الاصطناعي (AI Overviews)، ليحول الأرقام الطبية الصماء إلى فخاخ قد تودي بحياة من يثق بها.
طمأنة زائفة خلف الشاشات
مؤخراً، اضطرت “غوغل” للتراجع خطوة إلى الوراء، وحذفت ملخصات طبية تتعلق بفحوصات الكبد بعدما كشف تحقيق لصحيفة “الغارديان” عن كارثة معلوماتية. القصة ليست مجرد خطأ في رقم، بل هي غياب كامل لـ “السياق”. فالذكاء الاصطناعي الذي يخبرك أن نتائج فحص كبدك “طبيعية” بناءً على أرقام مجردة، يتجاهل عمداً (أو عجزاً) فوارق السن، العرق، والجنس، والأهم من ذلك، يتجاهل الحقيقة الطبية المريرة: قد تكون نتائجك في “النطاق الطبيعي” وأنت تعاني من تليف كبدي حاد.
إننا أمام معضلة “الطمأنة الزائفة”؛ تلك الحالة التي يغادر فيها المريض شاشة هاتفه شاعراً بالراحة، بينما ينمو المرض في جسده بصمت، فقط لأن خوارزمية قررت تبسيط المعقد واختزال الطب في “لمحة سريعة”.
ذكاء بلا حكمة
تدافع “غوغل” بأن ميزاتها تعتمد على مصادر موثوقة، لكن الطب ليس “نصاً” يُلخص، بل هو “حالة” تُشخص. عندما سأل المستخدمون عن المعدلات الطبيعية لوظائف الكبد، قدم الذكاء الاصطناعي أرقاماً بلا سياق، وهو ما وصفته “فانيسا هيبدتش” من مؤسسة (British Liver Trust) بأنه أمر “مقلق للغاية”. فالمشكلة لا تكمن في المعلومة بحد ذاتها، بل في تقديمها كحقيقة مطلقة تغني عن استشارة الطبيب.
وعلى الرغم من إزالة بعض هذه الملخصات، إلا أن “المراوغة الرقمية” لا تزال قائمة؛ فتغيير طفيف في صيغة السؤال قد يعيد إنتاج نفس الأخطاء القاتلة في موضوعات حساسة كالسرطان والصحة النفسية.
المحاكمة الأخلاقية للتكنولوجيا
هل نلوم الآلة أم نلوم من منحها ” الطب الأبيض”؟ إن التحرك الأخير لغوغل هو اعتراف ضمني بأن الذكاء التوليدي، برغم عبقريته في صياغة الجمل، لا يزال يفتقر إلى “الحس النقدي” و”المسؤولية الأخلاقية”.
المعرفة الطبية ليست وجبة سريعة، والذكاء الاصطناعي يجب أن يظل “مساعداً” لا “مرجعاً”. إن إنقاذ الأرواح يبدأ من احترام تعقيد الجسد البشري، وليس بتحويل التحاليل المخبرية إلى مجرد كلمات منسقة في أعلى نتائج البحث.
إن الثقة العمياء في “خوارزميات الشفاء” قد تكون أولى خطوات الهاوية. ففي عالم الطب، قد يكون نصف الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو كارثة كاملة.