بقلم: محمد أمين جافي
لم تكن أبواب مكاتب العدول الموصدة بمختلف مدن المملكة مجرد إجراء احتجاجي عابر، بل تحولت إلى جدار صلب اصطدمت به طموحات ومصالح آلاف المواطنين، فمنذ الثامن عشر من مارس الجاري دخل قطاع التوثيق العدلي في شلل تام من المقرر أن يمتد حتى الخامس من أبريل المقبل، مخلفاً وراءه قصصاً إنسانية مؤلمة وخسائر مادية لا تخطئها العين، مما جعل “الأمن التعاقدي” للمغاربة في مهب الريح.
وتختزل صرخة الفنانة المغربية فاطمة بوجو حجم هذه المأساة، فخلف الأرقام والتواريخ تقبع حياة إنسان، حيث يواجه والداها المسنان اللذان بلغا من العمر عتياً خطر ضياع ملف التجمع العائلي بدولة إسبانيا، نتيجة عجز الابنة عن استخراج وثائق عدلية تطلبها السفارة في أجل أقصى غايته الثاني من أبريل.
وقد كشف نداء استغاثة بوجو الذي أطلقته عبر حسابها الشخصي عن ثغرة قاتلة في تدبير هذا الإضراب تتمثل في غياب الحد الأدنى من الخدمة للحالات الطارئة، مما وضع مستقبل كبار السن الصحي والاجتماعي على المحك أمام آجال قانونية لا تنتظر انتهاء الاحتجاجات.
ولا يتوقف نزيف المصالح عند هذه الحالات الإنسانية الفردية، بل يمتد ليشمل عقود الزواج والطلاق التي توقفت بشكل كامل، مما أدى إلى تعطيل ترتيبات أسرية واجتماعية كانت مبرمجة منذ أشهر طويلة، كما تجمدت في الجانب الاقتصادي المعاملات العقارية والتجارية المرتبطة بمواعيد بنكية دقيقة ومساطر المحافظة العقارية، وهو ما يهدد استقرار المعاملات المالية الحيوية في البلاد ويخلق حالة من الارتباك داخل المحاكم، ولا سيما في أقسام قضاء الأسرة التي تعتمد بشكل جوهري على الوثيقة العدلية.
وفي قلب هذا الاحتقان المتصاعد، حج مئات العدول يوم الجمعة السابع والعشرين من مارس 2026 إلى مقر وزارة العدل بالرباط في وقفة حاشدة رفعت خلالها شعارات تندد بمشروع القانون رقم 16.22 المنظم للمهنة، واصفين إياه بالنكبة التشريعية التي تضيق على المهنيين وتفتقر للآليات العصرية للعمل، معتبرين أن هذا النص التشريعي جاء مخيباً للآمال وبمثابة تراجع عن المكتسبات والضمانات التي تم الاتفاق عليها سابقاً مع الوزارة الوصية.
وفي هذا السياق، لم يتردد الكاتب العام للجمعية المغربية للعدول، عبد الرزاق بويطة، في وصف ما جرى بالخديعة التشريعية من طرف وزير العدل عبد اللطيف وهبي، مؤكداً في تصريحاته أن المشروع الحالي خرج بصيغة تناقض تماماً ما تم الاتفاق عليه مع لجنة الحوار، محذراً من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي حتماً إلى القضاء على مهنة التوثيق العدلي بصفة نهائية، فضلاً عن تداعياته الخطيرة على خزينة الدولة، حيث يضخ حوالي 4000 عدل مبالغ ضخمة من الرسوم المحصلة عن المعاملات العقارية التي تضمن سيولة مالية مهمة للخزينة العامة.
إن المعركة التي يخوضها العدول اليوم تتجاوز كونها مطالب فئوية ضيقة، بل هي صراع للحفاظ على مهنة تاريخية تمثل صمام أمان للعلاقات الاجتماعية من زواج وإرث ومعاملات يومية، وحماية لمصالح الدولة والمواطنين من فراغ توثيقي قد يعصف باستقرار المعاملات القانونية، مما يضع الحكومة اليوم أمام مسؤولية تاريخية لفتح حوار جاد يستجيب لمطالب المهنيين ويضمن استمرارية هذا المرفق الحيوي الذي لا يمكن لأي جهة أخرى القيام بمهامه بنفس الارتباط الوثيق بالنسيج المجتمعي المغربي.