بقلم: عمر خلدان:
لم تكن زخات المطر التي تهاطلت اليوم أمام مبنى البرلمان بالرباط مجرد طقس شتوي عابر، بل كانت شاهدة على واحدة من أعقد اللحظات في تاريخ العدالة المغربية، حيث المشهد لم يكن لمتقاضين يبحثون عن إنصاف، بل لنخبة القانون من المحامين الذين غادروا ردهات المحاكم ليقفوا وجهاً لوجه أمام المؤسسة التشريعية، رافعين شعارات لا تطلب امتيازاً فئوياً بقدر ما تذود عن استقلالية مهنة يراها أصحابها في خطر محدق.
إن ما يحدث اليوم يتجاوز كونه مجرد اختلاف تقني حول بنود قانونية ليصبح صداماً حقيقياً حول الهوية والمصير، وتتجلى المفارقة الصارخة التي يرددها المحتجون في حلقياتهم في أن الوزير الوصي على القطاع عبد اللطيف وهبي هو في الأصل ابن الدار وأحد أصحاب البذلة السوداء، مما يطرح سؤالاً جوهرياً حول كيفية إقدام محامٍ على تشريع قانون يرى فيه زملاؤه مقصلة لمهنتهم وتراجعاً عن مكتسبات تاريخية، وكأن لسان حالهم يقول للوزير إنك بوضع هذا القانون إنما تحرق الجسر الذي ستعبر عليه يوماً ما للعودة إلى مكاتب المحاماة، وهو تنبيه صريح بأن الضرر سيطال الجميع بما في ذلك واضع النص نفسه.
ويرى المحتجون أن مشروع القانون الجديد يضرب في العمق جوهر الرسالة قبل أن يمس ظروف الاشتغال، منتقدين غياب الإشراك الفعلي للهيئات المهنية وشعورهم بأن التشريع يُطبخ في مكاتب مغلقة بعيداً عن واقع الممارسة اليومية، وهو ما جعل الحشود التي قدمت من مختلف ربوع المملكة تؤكد على أن المعركة هي معركة وجود وصمود، تهدف في المقام الأول إلى فرض حوار جدي ومسؤول يفضي إلى نص توافقي يحفظ كرامة المحامي ويصون أدواره الدستورية في منظومة العدالة بعيداً عن منطق الوصاية أو التقييد.
وفي خضم هذا التصعيد يبقى الحوار هو المخرج الوحيد لتفادي سكتة قلبية في مرفق العدالة، خاصة وأن المحامين بوقفتهم الحاشدة تحت المطر أرسلوا رسالة واضحة مفادها أن بذلاتهم قد تبتل بالماء لكن مبادئهم لا تقبل التمييع، مطالبين بتشريع يراعي خصوصية المهنة ورسالتها السامية، ومنتظرين خطوة من الوزارة تعيد ترتيب الأوراق بما يضمن مصلحة العدالة والمتقاضين قبل كل شيء.