بنصميم: “رئة إفريقيا” التي خذلها النسيان

Table of Content

//مواطن نيوز 

في أعالي جبال الأطلس المتوسط، حيث تعانق أشجار الأرز السحاب ويختلط عبير الطبيعة بنسمات الهواء البارد، تقف بناية ضخمة من سبعة طوابق كأنها حارس منسي لزمن مضى. إنه مستشفى بنصميم، المعلمة الطبية التي كانت يوماً ما فخر القارة السمراء وأكبر مستشفى لعلاج الأمراض الصدرية في إفريقيا، قبل أن تتحول بفعل الإهمال إلى “أطلال تدمي القلب”.

الصدفة التي صنعت التاريخ

تبدأ الحكاية بلمسة قدرية؛ طبيب فرنسي يدعى “موريس بوجان” عجز طب أوروبا عن شفاء رئتيه، فقادته خطاه إلى قرية بنصميم ضواحي إفران. هناك، وسط الهدوء وخرير المياه وهواء الجبال النقي، حدثت المعجزة واسترد الطبيب عافيته. هذه الواقعة لم تمر مرور الكرام لدى سلطات الحماية الفرنسية، التي قررت في الأربعينيات تشييد صرح طبي عالمي في هذا الموقع الاستراتيجي، ليكون قبلة لمرضى السل من مختلف بقاع الأرض.

فلسفة تتجاوز الجدران

لم يكن بنصميم مجرد جدران إسمنتية وأسرة بيضاء، بل كان مدرسة في “أنسنة العلاج”. نقش الفرنسيون على ممراته عبارة خالدة: “لا تهمنا ديانة المريض، بل يهمنا نوع المرض الذي يعاني منه”.

داخل هذا الهيكل العملاق، كانت الروح تُعالج قبل الجسد؛ فالمستشفى ضمّ:

قاعات للسينما والمسرح: لإخراج المريض من عزلة المرض إلى رحاب الفن.

فضاءات روحية: شملت مسجداً للمسلمين وكنيسة للمسيحيين، في تجسيد نادر لقيم التعايش.

هندسة الضوء: صُممت الغرف بشرفات فسيحة تسمح لأشعة الشمس الذهبية بالتغلغل إلى عمق الرئات المتعبة.

من الأمجاد إلى “الأشباح”

استمر المستشفى في أداء رسالته النبيلة حتى عام 1973. وبعد أن تسلمه المغرب من الفرنسيين عام 1965، توقفت نبضات الحياة فيه فجأة لأسباب لا تزال محاطة بالغموض.

اليوم، تحول “قصر الشفاء” هذا إلى هيكل يسكنه الصمت والخراب. تعرضت تجهيزاته الطبية المتطورة للنهب، وتكسر زجاج نوافذه التي كانت تطل على غابات الأرز، ولم يتبقَّ منه سوى جدران صلبة تقاوم عوامل الزمن، وكراسي سينما صامدة تحكي لزوار المكان قصص آلاف المرضى الذين استعادوا أنفاسهم هنا.

هل من عودة للروح؟

يقف مستشفى بنصميم اليوم كشاهد على مفارقة غريبة: كيف لمكان صُمم ليكون “رئة” يتنفس منها المرضى، أن يختنق هو نفسه بالإهمال؟

إن الموقع الجغرافي الساحر للمستشفى، وتاريخه الحافل، يطرحان سؤالاً ملحاً على المسؤولين والمهتمين بالتراث الوطني: هل يمكن إعادة إحياء هذه المعلمة؟ 

سواء كمركز عالمي للسياحة الاستشفائية، أو كأكاديمية رياضية عالية المستوى، أو حتى كمتحف طبي يوثق لحقبة ذهبية من تاريخ المغرب الطبي.

 سيبقى مستشفى بنصميم حكاية ممتدة بين زمنين؛ زمن الفخر الذي توثقه الصور القديمة بالأبيض والأسود، وزمن الحسرة الذي تجسده جدرانه المتهالكة، في انتظار يد تمتد لتمسح عنه غبار النسيان

salam

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الأخيرة

الأخبار الرائجة

NE

News Elementor

Lorem Ipsum is simply dummy text of the printing and typesetting industry.

Popular Categories

Must Read

©2024- All Right Reserved. Designed and Developed by  Blaze Themes