بقلم:محمد أمين جافي.
في الوقت الذي تصدح فيه المنابر بالشعارات الرنانة حول أهمية إشراك جيل الغد، يقف المشهد العام على حقيقة مغايرة تماماً؛ جدار سميك من الجفاء يفصل الشباب عن صناديق الاقتراع ومقرات الأحزاب.
هذا العزوف ليس مجرد موقف سلبي عابر، بل هو صرخة احتجاج صامتة ناتجة عن أزمة ثقة عميقة، تلاشت معها مصداقية الخطاب السياسي أمام وعود انتخابية فضفاضة تتبخر بمجرد ظهور النتائج، ووجوه تقليدية تحتكر المشهد وتأبى التجديد.
لقد تحولت العلاقة بين الشباب والتنظيمات السياسية إلى معادلة مشوهة، يُنظر فيها إلى الطاقات الشابة كأداة موسمية لحشد الأصوات وتأثيث التجمعات، بدلاً من إشراكها الفعلي في صناعة القرار. هذا الإقصاء الممنهج تعزز بطغيان “المال السياسي” الذي جعل من الكفاءة والفكر عملة ثانوية أمام سطوة الإمكانيات المالية الضخمة، مما عمق الإحباط الاجتماعي والاقتصادي لدى جيل يرى في البطالة وغلاء المعيشة تحديات يومية تعجز السياسة الحالية عن حلها، فوصل إلى قناعة مريرة بأن أصواتهم لن تغير من واقعهم المعيشي شيئاً.
بين فلسفة أرسطو التي ترى في العمل السياسي سبيلاً لإدراك مفهوم “العدالة” والارتقاء بالمجتمع، وواقعية مكيافيلي التي تختزل السياسة في غايات البقاء والسيطرة وتبرير الوسائل، يبدو المشهد اليوم أقرب إلى المكيافيلية في أسوأ تجلياتها.
ومع ذلك، وجب التأكيد على أن الانخراط في الشأن العام والعمل السياسي النبيل ليس عائقاً أمام التطور المهني أو التوظيف، بل هو القاطرة الحقيقية لإبداء الرأي، وصناعة التغيير، وتحسين محيطنا بالعمل الجاد تجاه الآخرين.
إن مقاطعة الشأن العام تترك الساحة لغير الأكفاء، بينما البناء يبدأ بخطوة إيجابية لتغيير الواقع من الداخل.