بقلم: محمد أمين جافي.
في زمن الانفجار الرقمي، لم تعد العيادة هي المكان الوحيد لتشخيص الداء، بل تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى “مذبح” تُنحر فيه الحقائق العلمية والمسلمات الشرعية على حد سواء.
ولعل ما أثير حول نظام “الطيبات” الذي روج له الدكتور ضياء العوضي مستشهداً بآيات من القرآن الكريم ليس مجرد جدل غذائي عابر، بل هو ناقوس خطر يدق فوق رؤوسنا، محذراً من ظاهرة “إلعب واربح” بصحة الناس وعقيدتهم.
إن تحريم “ما أحل الله”: بدعة غذائية بعباءة دينية
من أغرب مفارقات هذا النظام، هو الاعتماد على استراتيجية “التوهيم” عبر ليّ أعناق النصوص القرآنية. فكيف لعاقل أن يصدق نظاماً يقوم على تحريم أصناف أحلها الخالق وجعلها رزقاً للعباد، مثل “الدجاج والبيض والبقوليات”، مستشهداً بآيات “الطيبات والخبائث” في غير موضعها؟
وإن العلم والشرع يتفقان على أن “الأصل في الأشياء الإباحة”، وأن التحريم لا يكون إلا بنص قطعي أو ضرر علمي ثابت ومثبت بالتجارب السريرية.
و أما أن نأتي اليوم لننعث “البيض” أو “البقوليات” بالخزي الغذائي، فهذا ليس علماً، بل هو انتقائية فكرية تعيدنا إلى عصور التشدد والتكلف التي نهى عنها الإسلام.
ويبقى فخ الاستدلال.. حين يغيب السياق ويحضر الهوى:
ولا يتوقف الأمر عند حدود الطعام، بل يمتد إلى توظيف الأحاديث النبوية وتغيير سياقاتها لتخدم “براند” غذائي معين. ففي الوقت الذي ثبت فيه في الصحيحين أكل النبي ﷺ للحم الدجاج، يخرج هذا النظام ليمنعه بدعوى “الطيبات”.
هذا الخلط العجيب بين “المفاهيم الشرعية” و”الاجتهادات الشخصية” يضع المواطن البسيط في حيرة من أمره؛ هل هو بصدد اتباع نظام صحي أم أنه أمام “فتوى” دينية؟ إن صناعة الخوف من الطعام المباح عبر تسميته “سموماً” هي وسيلة لزعزعة ثقة الإنسان في بيئته وغذائه الفطري، مما يفتح الباب واسعاً أمام تجارة “الأمل الزائف”.
بل العلم لا يحابي أحداً.. مسطرة الحقيقة:
فبعيداً عن العواطف، ماذا يقول العلم الحقيقي بعيداً عن نظريات العوضي؟
ثقافة المنع الشامل: ترفضها كبريات مدارس الطب مثل “هارفارد”، وتؤكد أن الاعتدال هو سيد الموقف.
ويعد توازن العناصر كحذف مجموعات غذائية كاملة (كالبقوليات والخضروات الورقية) يدمر “الميكروبيوم” المعوي ويحرم الجسم من الألياف الضرورية.
وخطر “العطش”: قاعدة الشرب عند العطش فقط هي مجازفة طبية، فالعطش هو “إنذار متأخر” للجفاف.
لدى اتركوا الناس “بقتاتها”
إن ما رأيناه من تهافت على أنظمة غذائية تفتقر للأدلة السريرية وتستند إلى “الهوى التفسيري” هو نوع من المقامرة بالصحة العامة. كلمة “إلعب واربح” قد تصلح في المسابقات، لكنها في عالم الطب والتغذية تعني “خسارة محققة”.
فيجب أن نفصل بصرامة بين “النصيحة الغذائية” القائمة على المختبر والدليل، وبين “الشرعنة” الزائفة التي تلبس الآراء الشخصية ثوب القدسية.
إذن اتركوا الناس يستمتعون بما أحل الله لهم من الطيبات دون تشديد أو توهيم، ولتكن “المسطرة العلمية” هي المرجع الوحيد لكل ما يدخل أجسادنا.